|
|
| |
|
|
'ما ملكت أيمانكم' بين تطرف ديني يحلل ويحرم
وبشر تائهون في بحر الغرائز والمصالح
زهرة مرعي

أسدى استاذ كلية الشريعة في جامعة دمشق رمضان البوطي خدمة جليلة لمسلسل 'ما ملكت أيمانكم' ودفع الناس لمشاهدته لتبيان بواطنه، التي أفضت بهذا الشيخ لأن يرى ما رأته عيناه من شر مبين وغضبة الهية عارمة. كل ما ورد على لسان هذا الشيخ عرفنا لاحقاً وبإعتراف منه بأنه ناتج عن ما أُوحي إليه عن المضمون، وليس نتيجة مشاهدة ذاتية للمسلسل. وربما هو إعتراف كاف لتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الأحكام الدينية المسبقة على الأعمال الفنية، وكذلك الأحكام الإجتماعية المتزمتة:
'ما ملكت أيمانكم' دراما جمعت من الحياة الإنسانية المتغلغلة في ثنايا المدن الممتدة نماذج بشرية مترامية الإنتماءات والأحلام والطموحات. نماذج تذهب إلى السوء والغلط بوعي وتصميم. وأخرى تائهة بين الواقع المحدود الامكانات وبين مغريات حياة أصحاب الأموال والأعمال. هي دراما تضع المشاهد أمام الإختبارت الشخصية للبشر من مختلف الأعمار والمستويات الإجتماعية بمن فيهم المراهقين. وتقدم بشراً متفلتين كلياً من الضوابط والمبادئ تحركهم غرائزهم، وآخرين في غاية التزمت الديني، يرتكبون الفاحشة ويهربون من نتائجها أو حتى الإعتراف بالخطأ. والى جانب الرسائل الدينية التي يهدف المسلسل لتمريرها والتي لمسناها بوضوح بدءاً من الحلقة الـ13ـ يمكن القول أن الجنس هو الذي يتحكم بحياة المجموعة الأكبر من هؤلاء البشر. أو لنقل بالنسبة للمتزمتين في التربية والدين تتحرك الرغبة بمعرفة الآخر، أي الرجل، لا أن يبقى هذا الكائن من الأسرار العظيمة. وفي سياق الحلقات حتى الآن ظهرت وحدها عائلة المُدرس وزوجته المحللة النفسية ووحيدتهما، هي التي تتمتع بالسوية الإنسانية والفكرية والسلوكية والعاطفية معاً. وهذه العائلة المنفتحة هي التي نسجت علاقة متطورة تربوياً مع الإبنة، ولم يكن كل منهما يخفي عن الآخر أمراً. وربما تشكل هذه العائلة نموذجاً للطبقة الوسطى المثقفة، والتي بدأت تندثر بالتدريج تحت ضغوط الحياة المادية ومتطلباتها
لا شك بأن الكاتبة هالة دياب أرادت من السيناريو الذي قدمته بانوراما فيها كم من المشاهد التي تقول بتأزمات بنيوية تنخر مجتمعاتنا. تلك المجتمعات التي بدأ الثراء يظهر بفحش على بعضها، في حين يتكاثر الفقر كما الفطر في الضواحي. وبين إستغلال الأثرياء لفقر الفقراء، وطموح الفقراء للخلاص من تحت، تدور حكايات جنس ومال وأحلام هدفها الأول والأخير غرائزي ومادي. وفي خضم هذه التجاذبات تتغلغل الأفكار الدينية المتزمتة كالتي يمثلها 'توفيق'مصطفى الخاني، أو تلك المرأة التي يطلقون عليها لقب 'آنسة' والتي تقوم بتدريس الدين للنساء. وبين هؤلاء يشكل 'الحجي' والد 'توفيق' الشكل الإنساني للمؤمن والمواظب على فروضه الدينية. ولهذا يقول المسلسل في مقدمته الغنائية 'الأديان خلقت رحمة...والإيمان بالقلب مش بالمظاهر
في هذه الدراما الرمضانية نرى ونسمع المنقبة تصرح ببراءة الطفلة 'بدي حِب' فيما تقول 'الآنسة': العشق حرام حب الله هو الحب الوحيد في قلوب المؤمنين! ونرى الإبن العاق بحق والدته. ونرى العائلة المسحوقة. ومجتمع الأضواء والشهرة والسهرات العرمرمية الباذخة التي إستعارت كل نجوم سوريا تقريباً، ليحلوا ضيوفاً أمام كاميرات المصورين بطريقة إستعراضية لم يكن لها داعي .
وفي السياق كان مفيداً مقارعة رجل الدين المتنور ل'توفيق' الأصولي الذي أراد إنزال ما اسماه حد الله ـ أي الجلد ـ بشقيقته لأنه شاهدها مع شاب فأتهمها بالزنى. وكان حكم رجل الدين المتنور 'ومن يرمون المحصنات ولم يأتوا بأربعة شهود أجلدوهم 80 جلدة
'ما ملكت أيمانكم' دراما تحكي الواقع الإجتماعي المتشظي بقوة، تدخل إلى كل الشرائح لتقدم منها عينات مريضة، بالمجمل وصحية بالنادر. دراما فيها الكثير من النجوم إنما ليست مفصلة على قياس نجم. ومما يمكن تسجيله عليها أنها حصرت حضور اللاجئين العراقيين في النسيج السوري بصبية تمتهن الحب المأجور وتغطيه بعمل ليلي، وبشاب يمتهن سرقة السيارات، وهذا ليس بعدل .
هذا النوع من الدراما المعاصرة التي قدمها نجدة أنزور تشكل إنغراساً ضرورياً بالواقع المر لا الهروب منه إلى التاريخ. فربما تترك المشاهدة فعلاً تنويرياً لدى البشر، وتدلهم على مطبات الحياة علّهم يتمكنوا من تجنبها.
المصدر: القدس العربي
|
Editor Ahmed Hijazi
Red Mundo Árabe® Plaza Callao, Nº 1 - 3º- 2, Madrid 28013, España. Teléfono: 0034 637979217 mundoarabe@mundoarabe.o
©Mundo Árabe 2000-2010 Madrid-España |